ابن الأثير

198

الكامل في التاريخ

من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثمّ قال : يا عائشة إنّه قد كان ما بلغك من قول الناس ، فإن كنت قارفت سوءا فتوبي إلى اللَّه . قالت : فو اللَّه لقد تقلّص دمعي حتى ما أحسّ منه شيئا ، وانتظرت أبويّ أن يجيباه ، فلم يفعلا ، فقلت : ألا تجيبانه ؟ فقالا : واللَّه ما ندري بما ذا نجيبه ! وما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على أبي بكر تلك الأيّام . فلمّا استعجما بكيت ثمّ قلت : واللَّه لا أتوب إلى اللَّه ممّا ذكرت أبدا ، واللَّه لئن أقررت - واللَّه يعلم أنّي منه بريئة - لتصدّقني ، ولئن أنكرت لا تصدّقني . ثمّ التمست اسم يعقوب فلم أجده فقلت : ولكنّي أقول كما قال أبو يوسف : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [ 1 ] ، ولشأني كأنّي أصغر في نفسي أن ينزّل اللَّه فيّ قرآنا يتلى ، ولكنّي كنت أرجو أن يرى رؤيا يكذّب اللَّه بها عني . قالت : فو اللَّه ما برح رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، من مجلسه حتى جاءه الوحي ، فسجّي بثوبه ، فأمّا أنا فو اللَّه ما فزعت ولا باليت ، قد عرفت أنّي بريئة وأنّ اللَّه غير ظالمي ، وأمّا أبواي فما سرّي عن رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، حتى ظننت لتخرجنّ أنفسهما فرقا [ من ] أن يحقّق اللَّه ما قال الناس . قالت : ثمّ سرّي عن رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وإنّه ليتحدّر عنه مثل الجمان ، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول : أبشري يا عائشة ، فقد أنزل اللَّه براءتك . فقلت : بحمد اللَّه ! ثمّ خرج إلى الناس فخطبهم وذكر لهم ما أنزل اللَّه فيّ من القرآن ، ثمّ أمر بمسطح بن أثاثة وحسّان بن ثابت وحمنة بنت جحش ، وكانوا ممّن أفصح بالفاحشة ، فضربوا حدّهم ، وحلف أبو بكر لا ينفق على مسطح أبدا ، فأنزل اللَّه : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ

--> [ 1 ] ( سورة يوسف 12 ، الآية 18 ) .